عبد الكريم الخطيب

619

التفسير القرآنى للقرآن

هذه الآيات ، هي بيان لما في صحف موسى ، وإبراهيم ، مما جهله هذا الذي تولّى وأعطى قليلا وأكدى . . ففي هذه الصحف ، هذه الأحكام التي يدين اللّه بها عباده ، وهي : « أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى ، بل كل امرئ بما كسب رهين . . وأنه « لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » فلا يضاف إليه شئ من فعل غيره ، ولا يضاف من سعيه شئ إلى أحد . . « وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى » أي ينظر فيه ويحاسب عليه « ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى » دون أن ينقص من سعيه شئ . . ومما في هذه الصحف « أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » أي منه تصدر الأمور ، وإليه منتهاها ، ومرجعها ، كما يقول سبحانه : « إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى » ( 8 : العلق ) أي المعاد الذي يجتمع فيه الناس للحساب والجزاء . ومما في هذه الصحف أيضا ، أن اللّه سبحانه وتعالى ، هو الذي بيده الأمر كله ، وإليه يردّ كل ما يساق إلى الناس مما يسرهم أو يسوءهم ، فهو سبحانه الذي أضحك من أضحك ، وأبكى من أبكى ، وهو سبحانه الذي أمات من أمات ، وأحيا من أحيا . . وأنه سبحانه هو الذي خلق الزوجين - الذكر والأنثى - من نطفة ، لا يدرى أحد ما ذا تعطى من ذكور أو إناث . . فهي لا تعدو أن تكون ماء على طبيعة واحدة ، ولكن بعضه يعطى ذكورا ، وبعضه يخرج إناثا . . حسب تدبير اللّه سبحانه وتقديره . . وفي قوله تعالى : « مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى » . . إشارة إلى مبدأ الحياة في الكائنات الحية ، وأنها تبدأ في هذه الجرثومة السابحة في هذا المنىّ . . والمنىّ قبل أن يمنى ويخرج من الرجل إلى المرأة ، يكون في حالة لم تنضج فيها جرثومة الكائن الحىّ ، الذي تغرس بذرته في الأنثى . . فإذا خرج المنىّ من الرجل في